مجموعة مؤلفين
82
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
ولنوضّح ذلك ببعض الأمثلة : إنّ الطبيب ينتبه إلى الأخطار الصحية التي تهدّد الإنسان بصورة مبكّرة أفضل من الفلّاح ، والفلّاح ينتبه إلى الأخطار التي تهدد الزرع من الآفات النباتية والأمطار والرياح والثلوج أكثر من الطبيب . والتاجر ينتبه إلى حركة الأسعار في السوق ، ويميّز منها الحركة الصاعدة عن النازلة وعن الحالة السوقية المتذبذبة غير القابلة للاعتماد ، ويعرف متى يشتري البضاعة ويخزنها ، ومتى يبيعها ويصرفها ، ومن أين يشتري وأين يبيع ، ومتى يشتري ومتى يبيع ، أكثر من الطبيب والفلاح . وهذا عقل لا يملكه الطبيب ولا الفلاح ، بل يكتسبه التاجر في السوق كما يكتسبه الفلاح في المزرعة والطبيب في العيادة ؛ وذلك نتيجة اكتساب الخبرة والتجربة والممارسة الطويلة في المضمار الذي يعمل فيه ، وهو ما يسمى بعقل التجربة الذي يكون في مقابل العقل النظري الموهوب ، يقول الإمام علي عليه السلام : « العقل عقلان : عقل الطبع وعقل التجربة ، وكلاهما يؤدي إلى المنفعة » « 1 » . وروي عن أبي عبد اللَّه الصادق عليه السلام : « التجارة تزيد في العقل » . وعنه عليه السلام أيضاً : « ترك التجارة ينقص العقل » « 2 » . وعن فضيل قال : شهدت معاذ بن كثير قال لأبي عبد اللَّه عليه السلام : إنّي قد أيسرت ، فأدَعُ التجارة ؟ فقال : « إنك إن فعلت قلّ عقلك » « 3 » . وفي رواية أخرى : « لا تتركها ( أي التجارة ) ، فإنّ تركها مذهبة للعقل » « 4 » . وكذلك لكل مهنة وحرفة عقل يخصّها ، فهناك العقل السوقي والتجاري ،
--> ( 1 ) - بحار الأنوار 78 : 6 ، ح 58 . ( 2 ) وسائل الشيعة 12 : 5 ، ح 1 . ( 3 ) المصدر السابق : 6 ، ح 3 . ( 4 ) المصدر السابق : ح 4 .